آخر تحديث:
صباح البغدادي
في خطوة مفاجئة بتاريخ يوم الأربعاء الموافق 27 أيار 2026 أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي السيد ” مقتدى الصدر” فك ارتباط “سرايا السلام” بشكل كامل عن “التيار الوطني الشيعي” ، وإلحاقها التام بمؤسسات الدولة الرسمية والشرعية تحت أمرة القائد العام للقوات المسلحة، ويطرح لنا هذا القرار ثلاثة احتمالات رئيسية : ” فإما أن يكون نهائياً ولا رجعة فيه ، أو يكون تكتيكياً ومرحلياً ، أو يكون مؤقتاً وساري المفعول إلى أجل غير مسمى وحسب ما تقتضيه الظروف المستقبلية” صحيح أن الإعلان قد جاء في أجواء إقليمية شديدة التوتر، وبعد مرور 91 يوماً على اندلاع الحرب الأخيرة والتي ما زالت مليئة بالتناقضات والتصريحات المتباينة والنفي المستمر بين محور أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران مع حلفائها من الفصائل العقائدية العابرة للحدود من جهة أخرى , وتحت ضغوط داخلية وخارجية متزايدة تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة حصراً، فلم تأتِ هذه الخطوة من العدم او من الفراغ . فقد حملت الأيام الماضية رسائل واضحة إلى الداخل العراقي؛ فمنهم من فهم الرسالة ولم يكابر، ومنهم من اختار التحدي، بينما آثر آخرون الصمت. صحيح أن فكرة حصر السلاح كانت تُطرح سابقاً بصيغ مختلفة وأقل حدة، ودعت إليها المرجعيات الدينية في مناسبات عدة، إلا أنها تأتي اليوم بزخم مختلف وبواقعية قاسية. فقد بات واضحاً للجميع أن “الطوفان الأمريكي” الذي سيأتي بعد انتهاء الحرب ووضعها أوزارها، لن يفرق بين الأخضر واليابس، وقد يطيح بكل ما تم بناؤه وإرساء دعائمه بعد عام 2003 ولذا وفي هذا السياق، تمثل خطوة “الصدر” محاولة حقيقية لتعزيز السيادة العراقية وسحب البساط من تحت أقدام الفصائل “الولائية” العابرة للحدود. وبينما ما تزال لدينا قراءة مغايرة في جدية هذا الدمج واستدامته، خاصة مع استمرار الغموض حول آليات التنفيذ الفعلية على الأرض.
يأتي قرار “الصدر” في وقت يسعى فيه العراق إلى إعادة ترتيب أوراقه الأمنية والاقتصادية والسياسية ومع حكومة حديثة العهد مدعومة من قبل ادارة “البيت الابيض” ، ووسط تنافس “شيعي / شيعي ” داخلي حاد ؟ سرايا السلام، التي تشكلت أساساً في 2014 لمواجهة تنظيم داعش وتحمل تاريخاً مرتبطاً بجيش المهدي، تمثل قوة بشرية وتنظيمية معتبرة اكتسبتها طوال أكثر من عقدين ودمجها رسمياً تحت مؤسسات الدولة، فإن السيد “الصدر” وبعد ان وصلته الرسائل التوضيحية وفهمها بشكل اعمق ودراسة مستفيضة ليخرج باقل الخسائر الممكنة حتى ولو بالمدى المنظور فإنه الآن اصبح يقدم نفسه كرمز وطني ليس فقط للداخل العراقي ولكن حتى للخارج ومن يهمه الامر وباعتباره أنه يضع مصلحة العراق فوق الولاءات الحزبية أو الطائفية وكما دعا صراحة الفصائل الأخرى في الحشد الشعبي إلى التحرر من “الأوامر الحزبية والطائفية” مما يضع بقية الأحزاب والفصائل في موقف التبرير الدفاعي دائمآ حتى أمام مناصريهم وبيئتها الاجتماعية الحاضنة ؟.
ومع ذلك، فإن تخوفنا الحقيقي لا يتعلق بدمج “سرايا السلام” بحد ذاته، بقدر ما يتعلق بفحوى تطبيقه الفعلي على الأرض. فالصورة ما تزال “ضبابية” بل قد تكون “معتمة” في أهم جوانبها العملية والتنفيذية على ارض الواقع ؟ نقول ذلك لأننا عاصرنا التجارب السابقة، سواء مع جيش المهدي سابقاً أو سرايا السلام لاحقاً، والتي شهدت معارك شديدة الوطيس ضد جهات حكومية رسمية. ولعل “صولة الفرسان” في عام 2008 كانت من أشد تلك المواجهات وطأة على العراق، حيث خلفت خسائر بشرية ومادية مهولة ألحقت أضراراً بالغة بالبلاد ؟ ومع ذلك , والاهم لدينا , بانه لم يُفصّل الإعلان بوضوح آليات الدمج العملية : هل ستُسلّم الأسلحة فعلياً ؟ هل ستندمج الألوية (مثل 313 و314) ضمن وزارة الدفاع أو الداخلية بشكل كامل؟ وهل سيفقد السيد “الصدر” السيطرة الفعلية والعملية على قياداتها ومقاتليها ؟ ولان التجارب السابقة في العراق تظهر أن مثل هذه الإعلانات غالباً ما تكون شكلية أو مرحلية، تسمح للفصائل بالاحتفاظ بشبكتها وولاءاتها غير الرسمية مقابل رواتب وامتيازات وشرعية حكومية رسمية تعطى للقيادات والمقاتلين , ففي حالة سرايا السلام، التي ارتبطت تاريخياً وعقائديا والاهم والمهم ” عاطفيا وروحيا ” وهذا هو مربط الفرس بشخص السيد “الصدر” وابيه الراحل بصورة ما تزال متجذرة في العقل الجمعي الشعبي وارتباطاً وثيقاً، يصعب معه ان نتصور او حتى ان نصدق بان انقطاع الولاء العاطفي والشعبي والتنظيمي سيكون فجأة ومن دون رجعة نهائيا ، خاصة أن قاعدته الشعبية تعتبره مرجعيتها الاجتماعية و السياسية والدينية .
في هذا السياق المستقبلي، يبدو قرار الدمج تأميناً وقائياً متقدماً. ومع كل هذا فأننا نعتقد بأن السيد “الصدر” يحاول أن يخرج تياره من دائرة الاستهداف المباشر، ويضعه في خانة “القوى الوطنية” و ضمن مظلة ” الشرعية الرسمية” والتي تتعاون مع الدولة بدلاً من مواجهتها. سرايا السلام، بخلاف الفصائل الولائية العقائدية الصلبة، تحمل ولاءً شخصياً وعاطفياً قوياً للصدر، مما يجعل عملية الدمج أقل مخاطرة عليه. وبهذه الخطوة، يراهن على أن يمرر التيار الصدري “العاصفة الأمريكية” القادمة والمنتظرة بأقل الخسائر الممكنة ، ويحافظ على قاعدته الشعبية والتنظيمية حتى تنقشع الضبابية الإقليمية. لذا فان التحليل الاستباقي للسيناريوهات المستقبلية قد يكون على هذه المراحل ومنها على سبيل المثال وليس الحصر :
(*) الدمج مرحلي وتكتيكي بطبيعته. يهدف إلى تمكين الصدر من عبور الفترة الحرجة (نهاية 2026 وبداية 2027) بسلام وبأقل الخسائر الممكنة، ثم إعادة ترتيب الأوراق بمرونة أكبر حالما تتضح حقيقة وقوة وفعالية مسار الاتفاق ( الأمريكي-الإيراني) وفي هذا السيناريو، تُعد الخطوة مناورة تكتيكية ذكية ومدروسة بعناية، ربما استندت إلى نصائح وإرشادات وصلت بصيغ متعددة، بالإضافة إلى رسائل متبادلة مع أطراف خليجية ترى في السيد “مقتدى الصدر” بادرة أمل حقيقية لمواجهة النفوذ الإيراني والتصدي للفصائل العقائدية الولائية العابرة للحدود. وحجر عثرة في طريق هيمنتها على مقدرات الدولة , ومع ذلك، نرى أن هذا الدمج ليس تنازلاً نهائياً لا رجعة فيه، بل خطوة براغماتية مطاطية وقابلة للمراجعة والتعديل حسب تطورات المشهد الإقليمي في المستقبل وما سوف يكون عليه مراكز القوى ومدى تأثيرها على الداخل العراقي.
(*) تحول حقيقي وجزئي. لغرض ان ينجح السيد “الصدر” في دمج جزء معتبر من القوة البشرية واللوجستية داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، مما يعطيه غطاءً سياسياً وشرعية وطنية جديدة، ويحميه من أي “تسونامي” اجتثاث قادم والغرض ادخار هذه القوة للمستقبل من خلال عدم التهميش والعقوبات التي تفرض عليها .
(*) الدمج يكون شكلياً فقط، بحيث يُعلن الالتحاق بالدولة ويتم تغيير بعض المسميات والإطارات الإدارية، بينما يبقى الهيكل التنظيمي السري والولاء الحقيقي لسرايا السلام على حاله دون تغيير جوهري. وهذا السيناريو يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة جداً. فإذا اكتشفت الجهات الأمريكية والاستخباراتية الغربية أن الأمر مجرد خدعة أو تقية سياسية، فإن ردة الفعل ستكون قاسية للغاية، وقد يتعرض التيار الصدري بأكمله لضغوط أشد وطأة وأكثر شمولاً من تلك التي كان يمكن أن يواجهها لو بقي على حاله ولذا من المرجح لنا بأن يؤدي ذلك إلى تصنيف التيار ضمن الفصائل غير المتعاونة، مما يفتح الباب أمام عقوبات اقتصادية ومالية مباشرة واستهداف سياسي مكثف. ولهذا السبب، يجب الابتعاد عن هذا السيناريو قدر الإمكان، وعدم الترويج له بأي صيغة أو إيحاء، سواء بشكل علني أو ضمني لان الولاء العاطفي والوجداني للسيد مقتدى الصدر عميق الجذور في نفوس أتباعه ومؤيديه ومناصريه، وهو ولاء لا يحتاج إلى وسائل التقية أو الخداع لإبرازه. هذا الولاء موجود بقوة في عقولهم وقلوبهم، حتى لو لم يُعلن عنه بشكل صارخ أو رسمي. ولذا إن محاولة اللعب على الحبلين بهذه الطريقة قد تُفسر كمناورة مكشوفة، وهو ما قد يفقد التيار مصداقيته أمام الأطراف الدولية والإقليمية التي يحاول كسب ثقتها في هذه المرحلة الحساسة والصعبة من ضبابية وقتامة المشهد الإقليمي .
إن التباين الواضح والأبرز يكمن في مقارنة سرايا السلام بالفصائل العقائدية الولائية العابرة للحدود. وهذه الأخيرة أعلنت صراحة مراراً أن مرجعيتها العقائدية والعسكرية والسياسية هي “الولي الفقيه” (المرشد الأعلى في إيران) أو من ينوب عنه. هذا الولاء يتجاوز الحدود الوطنية ويجعل الدولة العراقية مجرد إطار شكلي في نظرها لغرض استلام الرواتب والامتيازات ؟ أما سرايا السلام، فترتبط أساساً بمرجعية صدرية عراقية وطنية، وإن كانت تشترك في بعض الجذور الشيعية. ولذا، فاننا ننظر إلى دمجها كضربة استراتيجية تسحب بساط الشرعية من تحت الفصائل الموالية لإيران، وتعزز موقف الصدر كمدافع عن “الدولة العراقية” مقابل “الولاءات الخارجية” وأما في سيناريو تعرض السيد “الصدر” لهجوم لفظي أو اعتداء مسلح مستقبلاً، وهذا ما نعتبره شخصيا وارد جدآ وحدث في السابق ولكن تم احتوائه من خلال التزام الصدر شخصيآ بعدم تصعيد الموقف لمواجهة مسلحة وبالاخص في فترة الانتخابات الماضية من خلال الهجوم على مقرات الاحزاب الاخرى ولذا فنحن نعتقد بدورنا بإن الالتزام بـ”المرجعية الحكومية” يبقى محل شك كبير لان التاريخ يشير إلى أن الولاءات الشخصية والعاطفية غالباً ما تتفوق على الأوامر الرسمية في بيئة الميليشيات وقياداتها ورموزها الدينية ومن المرجح أن تنقسم سرايا السلام بين عناصر تتبع التسلسل الحكومي الجديد، وعناصر أخرى تنتفض دفاعاً عن زعيمها الروحي التاريخي ؟ وهذا الغموض يجعل الدمج عرضة للاختبار تحت الضغط الحقيقي. صحيح بانه يمثل دمج سرايا السلام خطوة جريئة قد تكون بداية لإعادة هيكلة أمنية حقيقية في العراق، خاصة إذا صاحبتها إجراءات عملية ودعم دولي وإقليمي. ولكن الضبابية لنا ما تزال مستمرة، وعمق الولاءات التقليدية، تجعل من المبكر الحكم بأنها تحول جذري حقيقية سيكون على ارض الواقع ؟ وإذا نجحت، ستكون سابقة تضعف النفوذ العابر للحدود؛ وإذا بقيت شكلية، فستعزز فقط صورة الصدر السياسية دون تغيير جوهري في توازن القوى والشهور القادمة، وأي اختبار ميداني، ستكشف ما إذا كان هذا الدمج ثورة وطنية أم مجرد فصل جديد في مسرحية السياسة العراقية المعقدة.
صحيح بان السيد “مقتدى الصدر” وحسب معاصرتنا طوال العقود الماضية افعاله واقواله وتصريحاته , فإنه لا يقوم بخطوة عفوية، بل يمارس براغماتية استشرافية ومن خلال نصائح وحوارات ورسائل وردود وملاحظات وصيغ خطابية يستطيع من خلاله تكويت صورة واضحة واقرب الى الواقع لمساعدته في قراءة معمقة ودراية في توجيه البوصلة للتيار الوطني الشيعي في الاتجاهات المستقبلية — ضعف إيران المؤقت، الضغط الأمريكي المتزايد، وحاجة العراق لإعادة التوازن — ويحاول أن يسبق العاصفة بدلاً من انتظارها. سواء كانت هذه الخطوة عملية أم انها مجرد مناورة ذكية ومدروسة ؟ ففي كلتا الحالتين فاننا نعتبرها خطوة استباقية تعكس قدرة استثنائية على استشعار المتغيرات الإقليمية قبل وقوعها. ولذا فإننا نعتبر الأشهر الستة المتبقية من السنة والسنة القادمة 2027 ستكون الفيصل في معرفة إذا نجح السيد “الصدر” في حماية تياره وارث والده الراحل من العقوبات والاجتثاث المتوقع، فستكون هذه المغامرة من أذكى المناورات السياسية في العراق الجديد. وإذا فشل، فستكشف حدود قدرته على التحكم بقواته في زمن الضغوط الدولية الشديدة.
ومع ذلك، لا يمكن لنا إنكار الذكاء السياسي في التوقيت لان “الصدر” يحاول أن يسبق الجميع ويفرض نفسه كلاعب “مسؤول” في عيون واشنطن حتى ولو لم يعلنها صراحة او يحاول ان يروج لها ولكن قراءة متانية لتصريحاته وفهم أبعادها على مستوى الداخل والخارج توحي اليك انها رسائل واضحة وصريحة الى من يهمه الامر والموضوع ، ومستغلاً ضعف إيران المؤقت ولكن هذا الذكاء قد يكون قصير المدى، لأن السياسة العراقية لا تُبنى على المناورات الفردية بل على توازنات معقدة قد تتغير بسرعة مع انقشاع ضباب الاتفاق الإقليمي. ولذا فإننا ما نزال نؤكد بان تقديم القراءة المغايرة لدمج سرايا السلام تبقى لنا كـمخاطرة استراتيجية أكثر منها انتصاراً وطنياً أو مناورة ذكية محكمة. وقد تنجح في حماية التيار مؤقتاً من “التسونامي” الأمريكي المتوقع في 2027، لكنها تحمل احتمال خسارة النفوذ التنظيمي والشعبي على المدى المتوسط. الضبابية الإقليمية الحالية تجعل الحكم المبكر صعباً، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عند أول أزمة مستقبلية فهل ستظل سرايا السلام ملتزمة بالأوامر الحكومية، أم ستعود ولاءاتهم التاريخية للصدر؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت الخطوة عبقرية أم خطأً تاريخياً.
الضباب لا يزال كثيفاً، والصورة لاتزال معتمة ولكن السيد “الصدر” فاننا نراه يحاول أن يمشي فيه بخطى واثقة، وعينه على اليوم الذي يتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود من ما سوف تكون عليه خريطة متغيرات الشرق الأوسط حيث بعدها تعرف جميع الدول الاقليمية مدى حجمها وتأثيرها على تغير الاوضاع وما هو الثمن سيكون بمقابل التحدي الامبراطورية العسكرية الأمريكية المهيمنة على العالم ؟.






































