آخر تحديث:
مهند ال كزار
في المشهد السياسي العراقي المحكوم بالأمراض المزمنة والتوازنات التقليدية العصية تكاد تكون المفاجأة هي الثابت الوحيد الذي يكسر رتابة اللعبة، وضمن هذا الفضاء المزدحم باللاعبين برز السيد مقتدى الصدر كأحد أمهر مهندسي صدمات المطبخ السياسي، رجل يتقن التحرك في مساحات اللامتوقع ممتلكاً قدرة استثنائية على هز الساكن وقلب الطاولات، وإجبار الخصوم والحلفاء على حد سواء على إعادة ضبط بوصلاتهم عند كل منعطف، هذه الاستراتيجية الصدرية القائمة على برغماتية حادة ممزوجة بنفوذ جماهيري كبير لم تكن يوماً مجرد مناورات عابرة، بل تحولت إلى أداة بنيوية لإعادة تشكيل النظام السياسي من خارج قوالبه المألوفة.
تاريخ التجربة العراقية الحديثة يزخر بالشواهد التي تؤطر لهذا السلوك الدراماتيكي، ففي الوقت الذي اعتقد فيه الجميع أن الفوز الساحق للكتلة الصدرية بـ 73 مقعداً في انتخابات عام 2021 سيقود حتماً إلى حكومة أغلبية، إلا أن الصدر باغت المنظومة السياسية برمتها في صيف 2022 بتوجيه نوابه للاستقالة الجماعية والانسحاب من البرلمان، كانت خطوة انتحارية بمعايير الغنائمية السياسية لكنها بمعيار الصدر كانت تحريراً لتياره من قيود التعطيل، وتصدير الأزمة إلى حضن خصومه مع الاحتفاظ بورقة الشارع المستعدة للتحرك في أي لحظة، وهو ما ترجم لاحقاً في اقتحام أسوار المنطقة الخضراء ومجلس النواب كرسالة واضحة تدل على قدرته على تجميد الشرعية المؤسساتية.
هذا التذبذب المحسوب بين الاعتزال العاصف والعودة المباغتة والتي كان أحدث تجلياتها التحول نحو مسمى التيار الوطني الشيعي يتوازى مع مرونة أيديولوجية أظهرها الصدر سابقاً في تحالف سائرون عام 2018، عندما زاوج بين قاعدته الدينية المحافظة والقوى المدنية والشيوعية كاسراً الاصطفافات الطائفية التقليدية ومقدماً نموذجاً عابراً للمكونات لغرض تحقيق المكاسب السياسية.
ذروة هذه الديناميكية غير المتوقعة تجلت مؤخراً في ملف السلاح المنفلت، حيث نقل الصدر استراتيجيته من الخطابات والشعارات المطالبة بحصر السلاح إلى الإجراء التنظيمي المباشر والصادم، معلناً فك ارتباط سرايا السلام التام عن تياره السياسي وإلحاقها الكامل بالقوات المسلحة تحت إمرة القائد العام.
هذا القرار لم يكن مجرد ترتيب أمني داخلي بل كان حركة شطرنج فائقة الذكاء السياسي أصابت المشهد السياسي بهزة عنيفة، ووضعت الفصائل المسلحة الأخرى خاصة القريبة من الإطار التنسيقي في إحراج استراتيجي غير مسبوق لعدة أسباب:-
١. سحب الذرائع وتعرية المواقف
لعقود تذرعت الفصائل بوجود سرايا السلام لتبرير احتفاظها بسلاحها الموازي، وبإقدام الصدر على هذه الخطوة جردت تلك الفصائل من حجتها التقليدية ورميت الكرة بالكامل في ملعبها.
٢. إرساء القدوة وعزل الرافضين
بصفته زعيماً لأكبر تيار شيعي يمتلك عمقاً مسلحاً تاريخياً قدم الصدر نموذجاً عملياً للتخلي عن السلاح لصالح منطق الدولة، مما يضع الفصائل الأخرى أمام خيارين:-
إما محاكاة هذا المسار والتنازل عن نفوذها العسكري .
أو الرفض والتمسك بالسلاح مما يضعها تلقائياً في خانة الخارجين عن القانون أمام الشارع والحكومة.
٣. التماهي مع التوجهات الحكومية والدوليةجاء التوقيت متزامناً مع ضغوط داخلية ودولية مكثفة لضبط السيادة، مما منح الحكومة غطاءً شرعياً وشعبياً قوياً للتحرك وعزل الأطراف الرافضة لدمج الفصائل.
يثبت المشهد العراقي مجدداً أن حركة السيد مقتدى الصدر في منطقة اللامتوقع هي الاستراتيجية الأكثر فاعلية في ترسانته، إذ نجح عبر خطوة دمج السرايا في نقل المعركة من الخنادق العسكرية إلى الخنادق الأخلاقية والوطنية.
لقد حدد الصدر قواعد اللعبة الجديدة تاركاً للآخرين خياراً وحيداً ومصيرياً:-
إما الانضواء تحت لواء الدولة أو البقاء في عراء السلاح الحزبي المكشوف.






































