من الدولة إلى الطوائف: ماذا يبقى من القانون إذا أصبح لكل مذهب مدونته الخاصة ؟

من الدولة إلى الطوائف: ماذا يبقى من القانون إذا أصبح لكل مذهب مدونته الخاصة ؟
آخر تحديث:
صلاح ال خلف الحسيني
في كل دولة حديثة يوجد سؤال جوهري يسبق جميع القوانين: لمن يكون الولاء النهائي؟ للدستور أم للطائفة؟ للمواطنة أم للانتماء الفرعي؟ للقاضي الذي يحكم باسم الدولة أم للمرجعيات المتعددة التي تحكم باسم الجماعات؟
هذا السؤال يعود اليوم بقوة مع الجدل الدائر حول المدونات المذهبية في الأحوال الشخصية. فالقضية ليست مجرد حضانة طفل أو زواج أو طلاق، بل تتعلق بمستقبل الدولة نفسها وبطبيعة النظام القانوني الذي نريده للأجيال القادمة.
إذا قُبل مبدأ أن لكل مذهب مدونته الخاصة، فما الذي يمنع غداً من مطالبة الحنفية بمدونة حنفية، والشافعية بمدونة شافعية، والمالكية بمدونة مالكية، والحنابلة بمدونة حنبلية؟ وما الذي يمنع المسيحيين بمذاهبهم المختلفة، والإيزيديين، والصابئة المندائيين، والزيدية، وغيرهم، من المطالبة بمنظومات قانونية مستقلة؟
من الناحية النظرية قد يبدو الأمر تعبيراً عن التعددية، لكن من الناحية العملية يطرح سؤالاً خطيراً: هل نبني دولة واحدة أم مجموعة جزر قانونية متجاورة؟
إن وظيفة الدولة الحديثة ليست إلغاء التنوع الديني أو المذهبي، بل تنظيمه داخل إطار قانوني موحد يضمن المساواة بين المواطنين. فالقانون في جوهره ليس مرآة للهويات الفرعية، بل عقد اجتماعي مشترك يربط الجميع تحت مظلة واحدة. وعندما تتحول القوانين إلى انعكاس للانقسامات المذهبية، فإن الدولة تبدأ بالتراجع لصالح الجماعات.
لقد قامت الدولة الحديثة تاريخياً على مبدأ بسيط: المواطنون متساوون أمام قانون واحد. أما عندما يصبح لكل جماعة قانونها الخاص، فإن المواطن لا يُعرّف أولاً بوصفه مواطناً، بل بوصفه تابعاً لطائفة أو مذهب. وهنا تتحول الهوية الوطنية من إطار جامع إلى عنوان ثانوي.
والأخطر من ذلك أن الطفل نفسه قد يصبح موضوعاً للصراع بين المرجعيات المختلفة. فبدلاً من أن تكون “مصلحة الطفل الفضلى” هي المعيار الأعلى، يصبح السؤال: ماذا يقول هذا المذهب أو ذاك؟ ومن يملك سلطة تفسير النص؟ ومن يحدد الجهة المختصة؟ وهكذا تنتقل القضية من حماية الطفل إلى حماية الانتماء.
إن الدول المستقرة لا تُقاس بعدد الطوائف التي تحتويها، بل بقدرتها على إنتاج قانون عادل يتجاوز الانقسامات. فالهند تضم أدياناً وقوميات متعددة، والولايات المتحدة تضم مئات الجماعات الثقافية، وأوروبا الحديثة تضم مذاهب واتجاهات متنوعة، لكن الدولة لا تتخلى عن دورها لصالح منظومات قانونية متنافسة. لأن وحدة القانون ليست ترفاً إدارياً، بل شرطاً لبقاء الدولة نفسها.
إن احترام الدين لا يعني بالضرورة تحويل كل اجتهاد فقهي إلى تشريع ملزم للجميع. واحترام المذهب لا يعني تفكيك المنظومة القانونية الوطنية. فهناك فرق بين حرية الاعتقاد وبين تعدد السلطات القانونية داخل الدولة الواحدة.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصراحة هو: إذا أصبح لكل جماعة قانونها الخاص، فهل سيبقى المواطن يشعر بأنه ينتمي إلى دولة واحدة؟ أم أنه سيشعر بأنه ينتمي أولاً إلى جماعته ثم إلى الدولة في مرتبة لاحقة؟
إن قوة القضاء لا تنبع من انتمائه إلى مذهب معين، بل من حياده واستقلاله وخضوعه للدستور. وقوة القانون لا تنبع من تمثيله لجماعة معينة، بل من قدرته على تحقيق العدالة للجميع دون تمييز.
لهذا فإن التحدي الحقيقي ليس كيف نمنح كل جماعة قانوناً خاصاً بها، بل كيف نبني قانوناً وطنياً عادلاً يحترم الخصوصيات الدينية والثقافية دون أن يمزق وحدة النظام القانوني أو يضعف فكرة المواطنة.
فالدول لا تنهار عادة بسبب نقص الشعارات، بل عندما تتعدد مراكز الشرعية داخلها. وعندما يصبح لكل جماعة قانونها وقضاؤها ومرجعيتها الخاصة، يبدأ السؤال الذي يقلق كل دولة: من الذي يحكم فعلاً؟
وفي اللحظة التي يعجز فيها المواطن عن معرفة ما إذا كان حقه يُحدد بالدستور أم بالمذهب، بالقانون الوطني أم بالهوية الفرعية، تكون الدولة قد بدأت تفقد أهم ما يميزها: احتكار العدالة باسم جميع مواطنيها على قدم المساواة.
إن مستقبل العراق لا يتوقف على انتصار مذهب على آخر، بل على قدرة العراقيين جميعاً على بناء دولة يشعر فيها الشيعي والسني والكردي والعربي والمسيحي والإيزيدي والصابئي بأن القانون يحميهم بصفتهم مواطنين أولاً، لا أعضاء في جماعات متجاورة. فالمواطنة ليست إلغاءً للتنوع، بل هي الإطار الذي يمنع التنوع من التحول إلى انقسام دائم.هذا المقال يركز على نقد تعدد المرجعيات القانونية من زاوية الدولة المدنية ووحدة القضاء والمواطنة، دون الدخول في إساءات دينية أو مذهبية، مما يجعله أقوى في النقاش العام وأكثر قابلية للنشر والحوار القانوني.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *