هدنةٌ تحتَ ظلِ التهديدِ بالحربِ

آخر تحديث:
محمد خضير الانباري

تبدو العلاقةُ بينَ طهرانَ وواشنطن اليوم، وكأنها تقفُ في منطقةٍ رماديةٍ بينَ الحربِ والسلام؛ فلا المفاوضات نجحتْ في بناءِ ثقةٍ حقيقية، ولا التهديداتِ العسكريةِ استطاعتْ فرضَ معادلةِ حسمٍ نهائية، إنها هدنةٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ هشة، تدارُ بحذرٍ شديد، فيما تبقى احتمالاتُ الانفجارِ قائمةً في أيِ لحظة.منذُ سنوات، يتحركُ الطرفانِ داخلَ دائرةٍ معقدةٍ منْ الضغوطِ المتبادلة: عقوباتٌ اقتصاديةٌ أمريكيةٌ تخنقُ الاقتصادَ الإيراني، مقابلَ تمسكٍ إيرانيٍ ببرنامجها النوويِ ونفوذها الإقليميَ باعتبارهِ ورقةِ قوةٍ وسيادة. وبينَ الطرفين، تتداخلُ ملفاتُ الخليج، والعراق، وسوريا، واليمن، وأمنِ الطاقةِ العالمي، لتجعلَ أيّ توترٍ محدودٍ قابلٍ للتحولِ إلى أزمةٍ دوليةٍ واسعة.ورغمَ التصعيدِ الإعلاميِ المتكرر، تدركُ واشنطن وطهران، أنَ الحربَ الشاملةَ ستكونُ مكلفةً للطرفين، فالولاياتُ المتحدة، المنشغلةُ بصراعاتٍ دوليةٍ أخرى، لا ترغبُ في فتحِ جبهةٍ جديدةٍ في الشرقِ الأوسطِ، قدْ تهددُ استقرارَ أسواقِ النفط، وتستنزفُ حضورها العسكري، وفي المقابل، تعلمُ إيران أنَ مواجهةً مباشرةً معَ القوةِ الأمريكيةِ، قدْ تضيعُ اقتصادها وأمنها الداخليّ أمامَ تحدياتٍ خطيرة.لهذا السبب، تتقدمُ لغةُ الردعِ المتبادلِ ” على لغةِ الحربِ المباشرة. فكلُ طرفٍ يحاولُ إبقاءَ الضغطِ قائما دونَ تجاوزِ الخطِ الذي يقودُ إلى الانفجارِ الكبير، فالولاياتُ المتحدةُ تلوحُ بالخيارِ العسكريِ والعقوبات، بينما تردُ إيران بتوسيعِ قدراتها العسكريةِ وإظهارِ نفوذها الإقليمي، في معادلةٍ دقيقةٍ عنوانها: ” التصعيدُ دونَ الانزلاق إلى الحرب، لكنَ هذهِ الهدنةَ لا تعني الاستقرارَ الحقيقي.فغيابُ الثقة، وكثرةُ اللاعبينَ الإقليميين، واحتمالُ وقوعِ خطأٍ عسكريٍ أوْ أمني، كلها عوامل تجعلُ المنطقةَ تعيشُ على إيقاعِ الترقب. كما أنَ أيَ تعثرٍ في المفاوضاتِ النوويةِ قدْ يعيدُ لغةَ المواجهةِ إلى الواجهةِ بسرعةٍ أكبر.إلى جانبِ ذلك، تلعبُ إسرائيلُ دورا محوريا في تعقيدِ المشهد، إذْ تعتبرُ أنَ أيَ تسويةٍ لا تحد- بشكلٍ كامل- منْ البرنامجِ النوويِ الإيرانيِ تمثلُ تهديدا مباشرا لأمنها، ما يدفعها إلى الضغطِ المستمرِ على واشنطن لاتخاذِ مواقفَ أكثرَ تشددا تجاهَ طهران.في النهاية، لا يمكنُ وصفُ المشهدِ الحاليِ بأنهُ سلام، كما أنهُ ليسَ حربا معلنة، إنهُ توازنَ قلق يقومُ على المصالحِ والخوفِ المتبادلِ أكثر مما يقومُ على التفاهمِ الحقيقي.وبينَ طهرانَ وواشنطن تبقى المنطقةُ معلقةً بينَ احتمالين: تسويةٌ مؤقتةٌ تؤجلُ الانفجار، أوْ شرارةً صغيرةً قدْ تعيدُ الشرقَ الأوسطَ إلى دائرةِ النار- منْ جديد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *